الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

225

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وجودها لا محالة أول ما يظهر له أن لها محدثا وخالقا ومن كونها مجردا يعلم أن خالقها مجرد . وبعبارة أخرى : حيث إنها حينئذ أثر فعله تعالى ، فتدل عليه تعالى بأصل إيجاده تعالى إياها ، لأن الموجود أثر الإيجاد والإيجاد أثر الموجد . فهو تعالى حينئذ قد تعرف نفسه لهذه النفس المجردة بإيجادها كذلك ، فهي بهذه الجهة موحّدة لخالقها بأنه موجد وحداني غير متكثر لما يرى في نفسه التجرد الموجود به تعالى . ولعلَّه إليه يشير أيضا قوله تعالى : فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها 30 : 30 ( 1 ) بأن يراد من الفطرة هي النفس المجردة عن أي اعتبار فهي أثر التوحيد ، فالنفس حينئذ لتجرده مثل صفة تجرده تعالى . وحينئذ نقول : إذا ثبت وجود المثل في النفوس المجردة ، أي مثل صفته تعالى في التجرد لا مثل ذاته تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وهي إن صفة تجرد النفس صفة خلق لا تشبه شيئا من الخلق ، فقد ثبت أن لصفته مثلا بالكسر . ثم إن تلك الأمثال النفسانية بالمعنى المذكور تختلف اختلافا كثيرا متفاوتا تفاوتا كثيرا . ولكن أعلى تلك الأمثال محمد وآله ( صلى اللَّه عليهم أجمعين ) فهم المثل الأعلى ( بكسر الميم بهذا المعنى ) . ووجه كونهم أعلى الأمثال أن قربهم إليه تعالى وطهارتهم الذاتية عن كلّ دنيّة ، وأنهم أول خلق اللَّه دون غيرهم ، فإنهم خلقوا من نور عظمته كما تقدمت الإشارة إليه . فكلّ هذا يقتضي أنهم أعلى المثل في التجرد لصفة تجرده تعالى ، فافهم ولا تزل قدما بعد ثبوتها ، واللَّه الهادي إلى الصواب .

--> ( 1 ) الروم : 30 . .